فى شرفة أحد منازل الريف الهندى حيث الطبيعة الخلابة والأماسى المقمرة ، كان رجلان يجلسان ويتسامران ، ومما جاء فى حديثهما هاتان العبارتان :
قال الأول : إنكم فى شرقكم تنعمون بضوء القمر ، فأجابه الثانى على الفور : وأنت فى غربكم تنعمون بالشمس الساطعة ، كان الرجل الأول هو عالم الغرب الشهير " البرت اينشتاين " وكان الثانى شاعر الإنسانية " طاغور " .
لم تكن الأفكار التى تبادلها الرجلان تنتهى عند حدود المعنى اللفظى لهاتين العبارتين ، بل لقد اختصروا الإنسان والوجود بهذه الكلمات القليلة ، وأشار إلى عالمين كبيرين ، عالم الشرق الروحى وعالم الغرب العقلى .
هذه الثنائية التى تكون جوهر الإنسان " العقل والروح " غالبا ما تكون متضادة اذ يزدهر طرف على حساب الآخر كأنبوبتين مستطرقتين ، ما إن يرتفع السائل فى إحداهما حتى ينخفض فى الآخرى ، وما أن تتوهج شعلة العقل حتى يخبو ضوء الروح وبالعكس ، وهكذا يجد الإنسان نفسه بين عالمين كبيرين أكانا فى داخل نفسه أم فى العالم الكونى ، حيث الموضوعى واللاموضوعى ، والمعقول واللامعقول ، الفيزيقى وما وراء الفيزيقيا .
وإذا كان لكل عالم نعيمه إلا أنه يطرح البؤس والشقاء فى الطرف الآخر النظير ، إذ إن نعيم الروح فى بؤس العقل ونعيم العقل فى بؤس الروح ، بل لنجرء على القول إن الإنسان هو النقطة الوحيدة التى تلتقى فيها الجنة بالجحيم .
فالإنسان الشرقى السعيد فى فردوسه الروحى يجد نفسه عاجزا عن الاكتشاف والإبداع وتحقيق الإنجازات على صعيد الطبيعة ما دام الأمر يتطلب منه معرفة أسرارها وقوانينها العقلية ، إذ إن " النير فانا " وحياة الروح تقوم أصلا على كبح جماح العقل واسكات همساته ، إنه النعيم حقا لكن صمنه باهظ عندما تتعرض الحياة الروحية لغزوات العقل الشرس الذى طور آلة الحرب والدمار ووجهها إلى المجتمعات والدول المسالمة .
أما الغرب فيعيش حياة عقلية موضوعية وفقاً لمنطق العلم الصارم ، مبتعدا عن روحه بل مريضا بها .
لسنا هنا بصدد المفاضلة بين روح الإنسان وعقله ، فكل منهما يمثل طريقة حياة فى هذا العالم وكلاهما ضرورى لاكمال الإنسان ، ولكننا نتساءل : إلا يمكننا العثور على نقطة الوسط ، نعيش فيها بعقلنا وروحنا ننعم بهما معا ونتخلص من بؤسيهما ربما كانت هذه أفضل حالات الإنسانية الممكنة التى تحقق توازن المعادلة المضطربة ، فالعقل بلا روح وعاطفة واخلاق وحش كاسر مفكر ، وروح بلا عقل أشبه ما تكون بالحياة الجيشة فى رحم الأم " حياة الحلم اللاواعية " وما أحوج الإنسان إلى أن يجد مكانه الحقيقى على الخط المشترك الفاصل بين شقى الوجود الروحى والعقلى













